السيد الطباطبائي
38
تفسير الميزان
ويظهر من قوله في الآية : ( ذرية من حملنا مع نوح ) ومن قوله : ( وجعلنا ذريته هم الباقين ) ان الناس ذرية نوح عليه السلام من جهة الابن والبنت معا ، ولو كانت الذرية منتهية إلى أبنائه فقط وكان المراد بقوله : ( من حملنا مع نوح ) أبناؤه فقط كان الأحسن بل المتعين ان يقال : ذرية نوح وهو ظاهر . وللقوم في اعراب الآية وجوه أخرى كثيرة كقول من قال : ان ( ذرية ) منصوب على النداء بحذف حرفه ، والتقدير يا ذرية من حملنا ، وقيل : مفعول أول لقوله : تتخذوا ومفعوله الثاني قوله : ( وكيلا ) والتقدير ان لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلا من دوني ، وقيل : بدل من موسى في الآية السابقة وهى وجوه ظاهرة السخافة . ويتلوها في ذلك قول من قال : ان ضمير ( انه ) عائد إلى موسى دون نوح والجملة تعليل لايتائه الكتاب أو لجعله عليه السلام هدى لبني إسرائيل بناء على رجوع ضمير ( وجعلناه ) إلى موسى دون الكتاب . قوله تعالى : ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ) قال الراغب في المفردات : القضاء فصل الامر قولا كان ذلك أو فعلا ، وكل واحد منهما على وجهين : الهى وبشرى فمن القول الإلهي قوله : ( وقضى ربك الا تعبدوا الا إياه ) أي أمر بذلك ، وقال : ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) فهذا قضاء بالأعلام والفصل في الحكم أي أعلمناهم وأوحينا إليهم وحيا جزما وعلى هذا ( وقضينا إليه ذلك الامر ان دابر هؤلاء مقطوع ) . ومن الفعل الإلهي قوله : ( والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ ) وقوله : ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ) إشارة إلى ايجاده الابداعي والفراغ منه نحو : ( بديع السماوات والأرض ) . قال : ومن القول البشرى نحو قضى الحاكم بكذا فان حكم الحاكم يكون بالقول ، ومن الفعل البشرى ( فإذا قضيتم مناسككم ) ( ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم ) انتهى موضع الحاجة . والعلو هو الارتفاع وهو في الآية كناية عن الطغيان بالظلم والتعدي ويشهد بذلك عطفه على الافساد عطف التفسير ، وفي هذا المعنى قوله : ان فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا ) .